عن صوت المعركة بين التكيف و العقلانية ،
مقال في تشتت الغايات و إطلاق الوسائل .
مقدمة :
في مناقشة مع أحد الأصدقاء لتحليل الموقف الحالي في البلاد ، استدعي المقولة التي اشتهرت علي لسان عبد الناصر "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " و أضاف أنه لا مجال لسماع صوت عقلاني وقت المعارك الدائرة .
ما قاله حقاً و صدقاً و واقعاً بالفعل ، فإن التعقل ساعة دوي الرصاص و صليل السيوف هو مهمة صعبة ، و الأصعب منها هو الجهر بها في وجه أحد المتنازعين ! فإما أن يُتهم المتَعَقِّل بالتخاذل ، وإن طرح حلولاً أكثر راديكالية و حسماً ، و إما أن يتهم بالعمالة أو الجهل أو الكثير من الأوصاف اللاذعة .
لذا ففي البداية ، يجب علينا أن نذكر نماذج للمعارك الإنسانية ، الفردية منها و الجَمْعية، ثم نعرض لمفهوميّ التكيف و العقلانية من خلال هذه النماذج ؛ بعد ذلك نأتي في نقطة أخري لعرض الإشكالية بين العقلانية المقصودة و الفطرة الإنسانية السليمة ، التي قد لا تتقيد دوماً بالتعقل في بعض المواقف ، و أخيراً نحاول في البحث عن حل من وجهة نظر إسلامية و نتناول أثر غياب الشريعة علي المجتمع الذي فتح الباب علي مصراعيه لكل ذي عقل في تقدير الصواب و الخطأ و بالتالي تباين الاجتهادات . و أخيراً ننتهي إلي النصح بالتسديد و المقاربة و الدعوة بتوفيق الله حتي يقضي الله ما يشاء .
١-نماذج لبعض المعارك :
إننا نستطيع تقسيم المعارك إلي معارك فردية و أخري جمْعية ، فالفردية نقصد بها المعركة التي يتورط فيها شخص واحد من جهة أمام شخص آخر أو عدة أشخاص من جهة أخري . أما الجمعية فنقصد بها تلك المعارك التي تواجه الجماعات البشرية المختلفة، و يتعين علي هذه الجماعة أو تلك ، مواجهة ما يهددها من خطر أو دفع ما يقابلها من أذي .و قد اخترت نموذجاً من كلٍ من النوعين المذكورين أعرض من خلالهما الإشكاليات الفكرية و الاجتماعية المراد مناقشتها في هذا المقال .
أ ) معركة فردية : و لنأخذ مثالاً عليها بالرجل الذي يمشي في أحد الشوارع فتقوم إحدي العصابات بالتعرض له . تمثل هذه اللحظة معركة فردية للرجل فقد يقرر تقديم ما معه للمجرمين بشكل مباشر بدون تقدير جيد للموقف و بمجرد تهديده و هذا مثال علي التكيف Adaptation فهو يذعن مباشرة للظروف المحيطة حتي لو عنده فرصة للهرب أو مواجهة المجرم أو حتي الاستغاثة ..و قد يعود التكيف اللحظي لفقدانه الشجاعة أو مباغتته أو رعبه لكنه في قرارة نفسه يحسم أمره و يقرر بشكل ما أن يسلم للواقع و يقدم كل ما معه للمجرمين .
و قد يتسم شخص آخر بالعقلانية فيحاول قدر استطاعته رد الاعتداء، و لو كان المعتدي عليه امرأة عجوز شديدة الضعف ، فقد تقرر الصراخ علَّ أن يسمعها أحد المارة فيقوم بإنقاذها ، إذ لا علاقة بين الشجاعة و رباطة الجأش من جهة و بين القدرة المادية علي مواجهة الخطر .فإذا قامت بالاستغاثة ، آذاها المجرم و ضربها مثلاً فرأت أن ما سيأخذه من نقود أهون من الضرب أو الإيذاء اللذين لا طاقة لها بهما ، فأعطته ما يريد و بذلك قد دفعت عن نفسها مفسدة أعظم من النقود المسروقة و لا مانع بعد ذلك أن تبلغ عن السارق عسي أن تجده الشرطة و تعاقبه ( يحدث بالفعل في بعض البلاد أن تلاحق الشرطة اللصوص و تسجنهم ) .
ب )معركة جَمْعية : و نأخذ مثالاً واقعياً عليها و هو جدال استمرار المظاهرات الحالية المناهضة لحكم القوات المسلحة من عدمه ، فبمجرد عزل الرئيس مرسي و حبسه في مكان مجهول قامت مظاهرات في أنحاء البلاد و اعتصم الخلق في عدة ميادين كان أكبرها في ميدان رابعة العدوية ؛ كل ذلك كان بهدف الحفاظ علي الشرعية أو مناهضة الحكم العسكري أو التعصب للآليات الديمقراطية ، كل شخص كان لديه مبرره وقتها ..استمر القمع ..و القتل ..و الاعتقال القسري غير القانوني حتي وصلنا إلي مرحلة لا نحسد عليها .
اختلف الناس بين مذعن (متكيف) و عاقل ، فالمذعن هو الذي استسلم للقوة العسكرية بكل بساطة و رضي بوجودها حفاظاً علي نفسه و ماله (أو هكذا اعتقد ) ، و العاقل قرر المقاومة ثم اكتشف عدم جدوي المظاهرات فقرر تغيير استراتيجيته إما للتصعيد العنيف مباشرة و إما للتراجع التدريجي ترتيباً للصفوف و تمهيداً لموجة ثورية أكثر حسماً .
و بالتالي نجد أن الفرق بين التكيف الذي تتسم به العقلانية المادية أو الداروينية الاجتماعية وبين العقلانية المؤمنة بالقيمة المعنوية (المتجاوزة) أن الأولي تفرض علي معتنقها التكيف و التطبيع مع الظروف أياً كانت ، فتكون إرادة القوة للقوي (المجرم ) و تكون إرادة التكيف للضعيف ( الضحية ) و بالتالي يكون البقاء للأقوي دائماً و يكون الضعيف مجبراً علي مجاراة سياسة القوي حفاظاً علي الحد الأدني من مصالحه .أما الثانية فهي قائمة أساساً علي إمكانية الانتصار بالله أياً كانت الظروف و الحث علي علو الهمة و الجهاد و التركيز علي الغايات الكبري المتجاوزة للحظة الآنيّة .
٢-الإشكالية بين العقلانية و الفطرة :
إن التعقل المنضبط غير المستسلم في الصراعات و المعارك المختلفة قد لا يكون مثالياً دوماً ، إلي الدرجة التي تجعله مخالفاً للفطرة البشرية في بعض المواقف ؛
أ) فالمثال الفردي (المجرم و الضحية ) قد يكون التعقل فيه نوع من خسارة الكرامة و العزة إذا تم "تثبيت"الضحية و قرر الاستسلام - مباشرة أو بعد مقاومة أدرك عدم جدواها - فإن عودته لمنزله صفر اليدين ستكون بمثابة إهانة له أمام الأهل و المعارف !و بالتالي قد يهون عليه ضياع نفسه مع ماله انتصاراً لكرامته أو محاولة لحفظ ماء وجهه باسترداد ما أخذ منه .
ب) و كذلك في المثال الجمْعي ، فقد يقتل أو يعتقل شخص أمام أهله و رفاقه و بالتالي يكون من الصعب عليهم ترك النزول ، و لو تبين عدم جدواه ، حيث أن تغيير المسار أو الرجوع للوراء يعتبر خيانة لدم الأحباب و تخاذلاً في حق المسجونين ! حتي لو دعي شخص ما للتصعيد المسلح -مثلاً- سيوصم بالتهور و ترك السلمية و شق الصف و لن يسلم من الهجوم الجمْعيّ عليه !
٣- الشريعة و دورها في المجتمع :
إن الحاكم بالنسبة للمسلمين في جميع تصرفاتهم هي شريعتهم الغراء ، فهي التي تُقَوم سلوك الإنسان بحيث لا يجنح يمنة أو يسرة عن طريق الحق ، فهي تقدم له بمقاصدها الخمس الكبري ( حفظ الدين و النفس و العقل و النسل و المال) الأولويات الأساسية التي يجب تقديرها في أي قول أو فعل و هي التي تأمره برد العدوان و الجهاد في سبيل الله ، و هي كذلك التي تتيح له المناورة و الانسحاب بغية التحرف للقتال و هي التي تمنيه بالشهادة إن قتل دون أهله أو ماله أو أرضه أو دينه!
و هي التي تتيح له الاجتهاد في شتي الأمور -غير مخالفاً في ذلك ركن من الأركان أو أصل من الأصول - و لا تؤثمه إن أخطأ في اجتهاده .
إن ما أريد قوله هنا هو بالأساس رصد لحالة مجتمعية غاب فيها تحكيم ما أنزل الله بسبب تغييب وعي الأمة بجوهر الدين و أممية الرسالة التي تصنع من المسلمين جسداً واحداً إن مرض منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر و الحمي ؛ و كذلك لحالة غياب ولي الأمر الشرعي و لحالة غياب أهل الحل و العقد ، بل و لحالة الجهل بما هو معلوم من الدين بالضرورة لدي سواد لا بأس به من مسلمي اليوم !
إننا نحتاج لصحوة أخري تكون فيها الأولويات واضحة و يكون فيها الوعي مضاء بنور الحكمة ..الحكمة التي رأسها مخافة الله .
المقال جيد لكنه اكتفى بالسرد تون اعادة التركيب
ردحذفملاحظة أوافقك فيها و أشكرك عليها ، فأغلب المقال ،بالفعل، اكتفي بتبيان الاختلاف بين الاتجاهات المذكورة ؛ لكنه ردها في النهاية-اقتضاباً- إلي مشكلة غياب تحكيم شريعة الله في أرضه و غياب ولي الأمر الشرعي و إفساد المجتمع لدرجة أنه-أي المجتمع- يشعر أن كل شئ علي ما يرام و أن تحكيم الشرعية هو محض تطرف أو خيانة في حالة الاهتمام بأمور المسلمين الذين يعيشون خارج الحدود القومية البغيضة .
حذف*غني عن الذكر أنك الصديق المقصود في مقدمة المقال .